عين القضاة
63
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وهذا المعنى واقع كثيرا لأهل بداية الكشف ، وأمّا أهل النهاية ، فلا يفارقون الموجود من الروح والحبور ، والأنس والحضور ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ الأحقاف : الآية 13 ] . وقال : ( من غيّره العلم تجاوزت حركاته حدّ العلم ، ومن غيّره الوجد صارت حركاته نفي الحظوظ ، وترك شهوات النفس ) . أقول : أي الجاهل الذي غيّره العلم عن مقتضى جهله ، تتجاوز حركاته حدّ العلم ، فلا يجانب الحظوظ المباحة والشهوات المشروعة . وأمّا العالم الذي غيّره الوجد عن مقتضى علمه ، فهو يجاوز حدّ الرخص إلى العزائم ، فيجانب ما أباحه العلم من الحظوظ والشهوات ، وصارت حركاته نفيها . وقال : ( من وصل إلى الماء وصل إلى الحياة ، قال اللّه تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : الآية 30 ] ، ومن ركب البحر تعرّض للتلف والضرّ ، قال اللّه تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : الآية 67 ] ، ومن وقع في البحر شهد الغرق والتلف ، قال اللّه تعالى : فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ القصص : الآية 7 ] ، فالماء العلم وبه حياة الخلق ، وركوب البحر إشارة إلى الحقّ ، وفيه التعرّض للتلف والتهلكة ، والوقوع في البحر حقيقة الوجد ، وهو غرق في الحياة ) . أقول : بيّن في هذا الفصل حقيقة الوجد ، والفرق بينه وبين الإشارة والعلم ، بضرب المثل بالماء وما يتعلّق به من الأحوال ، فجعل الماء نفسه - للانتفاع به - مثال العلم ؛ فإنّه ممّا ينتفع به الخلق ، كما بالماء ، وتحيى به النفوس ، كحياة الأشياء بالماء في قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : الآية 30 ] . وحياة النفوس بالعلم ؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ استودع تحت كلّ حكم من أحكام العلم حكمة ، ومصلحة فيه حياة النفوس ، وصلاح العالم في القصاص ، كما في قوله سبحانه : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : الآية 179 ] . وجعل ركوب الماء - حيث يصير بحرا - مثال الإشارة إلى الحقّ ؛ فإنّ فيها توجّها إليه بالإخلاص ، وتعرّضا لتلف النفس ، كما في ركوب البحر من التوجّه